أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

584

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- وأنشد للطرماح « 1 » : [ الوافر ] أسرناهم وأنعمنا عليهم * وأسقينا دماءهم التّرابا فما صبروا لبأس عند حرب * ولا أدّوا لحسن يد ثوابا « 2 » فقدّم ذكر الإنعام على المأسورين ، وأخّر ذكر القتل في البيت الأول ، وأتى في البيت الثاني فعكس « 3 » الترتيب ؛ وذلك أنه قدّم ذكر الصبر عند بأس الحرب ، وأخّر ذكر الثواب على حسن اليد ، اللهم إلا أن يريد بقوله : « فما صبروا لبأس عند حرب » المأسورين « 4 » ، أي « 5 » لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد ، فإن المقابلة حينئذ تصح ، وتترتب على ما شرطنا ، وهذه عندهم تسمى / مقابلة الاستحقاق . - ويقرب منها قول أبى الطيب « 6 » : [ البسيط ] / وفعله ما تريد الكفّ والقدم لأن الكفّ من اليد بمنزلة القدم من الرّجل ، فبينهما مناسبة ، وليست مضادة ، ولو طلبت المضادة لكان الرأس « 7 » أو الناصية أولى ، كما قال اللّه تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [ سورة الرحمن : 41 ] .

--> ( 1 ) البيتان في ذيل ديوان الطرماح 564 ، وانظرهما في نقد الشعر 134 ، وحلية المحاضرة 1 / 152 ، والمنصف 67 ، والصناعتين 339 ، وربيع الأبرار 1 / 345 ، وسر الفصاحة 258 ، وتحرير التحبير 183 ( 2 ) في ع : « . . . ولا أجزوا لحسن يد ثوابا » ، وفي حلية المحاضرة : « . . . لبأس بعد حرب » . ( 3 ) في ف والمطبوعتين فقط : « بعكس » ، والسبب في هذا التغيير أن الفاء في الكتابة المغربية تكتب نقطتها من أسفل فيظنها غير الخبير بها أنها باء موحدة تحتية . ( 4 ) في ف والمطبوعتين فقط : « القوم المأسورين . . . » . ( 5 ) سقطت « أي » من ص ، وفي خ : « إن لم . . . » وفي م : « إذ لم . . . » وكتب المحقق في الهامش : « في المصريتين : « إن » ونراه تصحيفا » ، وهذا عجيب أن يصحح اللفظ دون الرجوع إلى مصدر ! ! ! ( 6 ) ديوان المتنبي 3 / 368 ، والمذكور عجز بيت صدره « رجلاه في الرّكض رجل واليدان يد » . ( 7 ) جاء في شرح الديوان بعد ذكر صحة الجرى وتسميته : « . . . وفعله ما تريد الكف بالسوط ، والرجل بالاستحثاث ، فهو بجريه يغنيك عنهما » . وفيه شرح آخر يؤدى الغرض ذاته ، ومن هنا يخرج من مجال كلام المؤلف .